محمد غازي عرابي

1109

التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم

يكون في هذا التعريف تناقض مع التفكير نفسه ، ولكننا إذا تذكرنا ما للتفكير من تناقض وشك وازدواجية علمنا دور الحدس الذي يقدم إلى الإنسان الحقيقة عارية على طبق من المعقول مقبول من القلب الذي هو في أساسه مجبول من النور ، وعندما يقول الحدس للقلب إن اللّه موجود يكون قد فعل ذلك بأسلوب مغاير لأسلوب الفكر المنطقي القائم على الأسباب والمسببات ، ولو كان أفق الحدس محصورا داخل نطاق الفكر نفسه لكان هو أيضا متناقضا ، ولما تمكن الإنسان من الوصول إلى أفق الإيمان ولما قبله وأقره ، فمن وجهة النظر المنطقية لا سبيل إلى الإيمان باللّه ، فالمؤمنون يقولون مثلا ألا يدل هذا الوجود وما فيه من آيات على الخالق وكونه البارئ البديع المصور ، ويرد الملحدون : وأين هو هذا الأول الخالق البارئ الذي لم يكن قبله شيء ، وكان قبل أن يكون شيء ، ومن أين جاء هذا الخالق الذي لم يكن شيئا ثم كان ، ولماذا هو غير منظور ؟ والنتيجة أن الأدلة التي يستدل الملحدون بها على عدم وجود اللّه لا تقل قوة عن الأدلة التي يستدل بها المؤمنون على وجوده ، فالفكر ليس طريقا إلى الحقيقة بل إلى التفكير في هذه الحقيقة ، وهو يتمخض عنه نظريات وفلسفات يناقض بعضها بعضا ، في حين أن الحدس يخطو خطوة أخرى حين يضع ما يريد في القلب فإذا الإنسان مؤمن أو ملحد ، ويتحقق كونه تعالى المضل الهادي ، ويكون في الوجود الضالون والمهتدون ، قال صلّى اللّه عليه وسلّم : ( إن للّه سبعين ألف حجاب من نور وظلمة لو كشفها لأحرقت سبحات وجهه ما أدركه البصر من خلقه ) ، والعاقلتان النظرية والعلمية شقيقتان مشتقتان عن العقل بهما كان الإنسان إنسانا ، وكان في الأرض خليفة ، وبهما عمر الإنسان الدنيا والآخرة ، فالعاقلة العملية نور يميز به الإنسان الخير من الشر والخطأ من الصواب ، ومن دون هذا النور ما صلح عيش الإنسان ، ولا سلك فجاج الأرض ، وكان له في كل فج ذلول سبيل ، فعمارة الدنيا بحاجة إلى تيسير إلهي علوي سابق هو القضاء مع تسيير دنيوي لاحق هو القدر ، ومن كليهما تعمر الأرض التي لا تعمر إلا بهذا النور ، فلو لا أن اللّه هو من وراء القصد ، وهو رب العاقلة العملية ، ما وجدت القوانين والشرائع ، ولما تحقق كون الحق حقا ، وكون العدل عدلا ، ولما تفرق الناس في السبل ، كل ميسر لما خلق له ، ولكم حاول الإنسان تبديل سنة اللّه في خلقه ، ولكم حاول المفكرون إيجاد بدائل لهذا التشريع الإلهي فذهبت محاولاتهم أدراج الرياح ، وظل اللّه هو الحاكم المشرع القاهر الغالب على أمره الذي رفع السماء ووضع الميزان ، وأمر الناس بأن يقيموا الوزن بالقسط ، وألا يخسروا الميزان . أما العاقلة النظرية فهي تحقيق القصد من خلق الإنسان ، وهو قوله تعالى : وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ( 56 ) [ الذّاريات : 56 ] ، وأصحاب العاقلة النظرية هم الذين مدوا أعينهم